رحلة إلى قرية الفاو عاصمة كنده ( الجزء الأول )

 أهلا وسهلاً بكم مع الباحث الجغرافي والرحالة حمد العسكر في هذه الرحلة

هذه الرحلة هي رحلة عبر الزمن سنرى من خلالها كيف عاش الإنسان عصوراً مضت ثم ذهب وتركها وبقيت أثاره شاهداً على ذلك ..

رحلتنا هذه المرة إلى الفاو عاصمة مملكة كندة ... وهذا الجزء الأول من الرحلة ... وسنعرف فيما بعد لماذا تجزأت الرحلة ...

 

       نبذة عن الفاو عاصمة كندة

     الفاو عاصمة لمملكة كندة قامت مملكة كندة الأولى في القرن الرابع قبل الميلاد وسقطت في أوائل القرن الرابع بعد الميلاد،قامت كندة الثانية في الفترة (480-529م) وسقطت هذه المملكة بعد تدمير المناذرة لها ولكن ظلت بعض الأماكن بيد ملوك من كندة حتى ظهور الإسلام منها غمر ذي كندة وقد ذكرتها النقوش باسم (قريه) وأيضاً قرية (ذات كهل) وقد عرفت بالفاو لأنها تقع في فوهة مجرى قناة في المنطقة التي يتداخل فيها وادي الدواسر مع جبال طويق " الحرس الوطني " العدد 282"

الموقع الفلكي للفاو

 تقع قرية الفاو عند تقاطع دائرة عرض N019.46.55  بخط طول E045.08.53

الموقع الجغرافي

      تقع قرية الفاو جنوب غربي مدينة السليل بحوالي 100 كم  و 150 كم إلى الجنوب الشرقي من الخماسين عاصمة وادي الدواسر عبر الطريق المسفلته مخرج نجران الواقع بين السليل والوادي ... وتقع جانب الطريق الرئيسي الذي يصل السليل بنجران وشرورة  وإلى الغرب من محمية عروق بني معارض ... وتبعد عن المخرج حوالي 90 كم ... أنظر الصورة الجوية للموقع .

صورة جوية توضح موقع قرية الفاو

 

معلومات موثقة عن هذا المكان الأثري

        كانت تسمى عند البادية بـ " القرية "  ... تقع عند فوهة مجرى قناة تسمى " الفاو " ... تقع على الطريق التجاري الذي يربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها وشمالها الشرقي ... وتحدثنا قرية الفاو عن تلك الحضارة العريقة لمملكة كنده وامرئ القيس وملك قحطان .... وقد بدأت الأنظار تتجه إلى تلك القرية كموقع أثري عام 1940م حين نبه له أحد موظفي شركة أرامكو ... ثم تلا ذلك رحلات واستطلاعات علمية قام بها " عبد الله فلبي " وبعض علماء الآثار الأجانب ... فما كتبوه عنها كان النواة الأولى بيد جامعة الملك سعود بالرياض لتبرزها لنا في " قرية الفاو" عام 1971م.... ( وحدة المتاحف والآثار )

 

   وقد توقف التنقيب عن آثار قرية الفاو الأثرية .... ولم يعرف السبب ... وهذا الأمر له أثر سلبي على مستقبل هذه القرية الأثرية ... التي قد تتعرض للسرقة والتخريب...

 

رحلتي إلى تلك القرية الأثرية

قبل سنة تقريباً كنت خارجاً من نجران بعد زيارتي لموقع الأخدود ... وكنت أنوي المرور على قرية  الفاو قبل أن تغيب الشمس ... ولكن مع الأسف الشديد تأخرت ولم أصل إلى القرية إلا بعد غياب الشمس ... وكان السبب هبوب العواصف الرملية التي أبطأت السير ... وخروجنا المتأخر من نجران ...

وعندما وصلنا الموقع قبل العشاء بقليل وجدناه محاطاً بسياج يمتد من الشمال إلى الجنوب لمسافة طويلة  ... ووجدنا بيتاً قريباً منه في أعلاه هوائي إرسال فظنناه حارساً أو ما شبه ... ذهبنا إليه فوجدناه شيخ طاعن في السن يتوضأ لصلاة العشاء ... وأخبرناه أننا نريد دخول المنطقة الأثرية ... فعجب لأمرنا ولتوقيتنا ... وقد طلب منا أن - نمرح - عنده إلى الصباح .... ولكن أظهرنا له العجلة من أمرنا ... فأخبرنا أن نسير مع السياج مسافة 700م وسنجد مدخلاً فتحَ عنوة ... وقال : إذا دخلتوا اعكسوا الاتجاه حتى تحاذون بيتي وستجدونها هناك ... - وإن بيتوا القعود للصباح فاقعدوا - قال ذلك تعجباً منه لموقفنا ...

والجدير بالذكر أن قرية الفاو هي قرية مدفونة بالكامل تحت الأرض ولم يحفر منها إلا القليل والباقي ترك وأحيط بشبك طويل ... وأعتقد والله أعلم أنها تمتد لمسافات كبيرة تحت الأرض نحو الجنوب مما تم حفره ... لأن الذي يسير على الأرض يشعر باهتزازاتها تحت قدميه ... ومن خلال الصورة الجوية التالية ... ستتضح الرؤية ... فاللون الأبيض الذي يمثل الطمي والدفن يمتد لمسافات طويلة جانب الطريق ... والجزء الذي حفر يقع في طرفه الشمالي فقط ...

 

في الصورة نشاهد أثار الدفن باللون الأبيض والقرية تقبع أسفل سطح الأرض ... وما حفر هو في الجزء الشمالي فقط

 

صورتين للجزء الشمالي الذي تم التنقيب عنه من قبل فريق جامعة الملك سعود

وهذا الطوفان من الدفن والتغريق الصحراوي ... يوجد في مجرى وادي الدواسر عند إلتقائه بحافة طويق ... ولعل الصور التالية توضح ذلك... ففي داخل السياج الكبير ... يوجد سياج خاص على كل موقع تم حفره هناك ... ومع الأسف الشديد كلها قد تم تخريبها وقطعها من قبل العابثين ... ولا ألومهم بقدر ما ألوم هيئة الآثار المسئولة عن حماية مثل هذه الكنوز التاريخية العظيمة ... فبدلاً من تركها بهذا الشكل المهمل ... كان يفترض أن تنظم وتهيأ لتصبح موقعاً سياحياً يقصده الناس ضمن قواعد وضوابط معينة ... فلا أعتقد أن مثل هذا الكنز العظيم كان ليترك سداً في مكان آخر من العالم.

 

أبدأ معكم الآن الصور لهذا المكان التاريخي العظيم

ملاحظة : بسبب وصولنا ليلاً إلى الموقع ... فإن جميع الصور التقطت باستخدام نظام التصوير الليلي 15 - 20 ثانية للصورة الواحدة  .. والبعض مع الفلاش ... لذلك أعتذر عن رداءة الوضوح .

 

بداية دخولنا عبر السياج المقطوع والعقم المطروق ...

 

الصورة الأولى وهي صورة ليلية في الظلام الدامس أخذت مع استخدام المثبت بعد دخولنا للسياج الثاني في المنطقة المحفورة ... مدة التقاط الصورة 20ث

 

الصورة الثانية توضح الجزء المحفور ونراه دون مستوى السطح ... ويظهر الصديق خالد وأخي إبراهيم واقفان لا يريان شيءً بعد أن أطفئا المصباح حتى لا يتوهج في الصورة

 

نشاهد بعض الغرف والآثار الحجرية وتلك البئر التي ركب عليها هذا الثلاثي مؤخراً

 

نشاهد هذه الغرف و بناء الحجر الذي اختلط به الطين فسبحان الله العظيم

 

بعض الأحجار الأثرية التي حفرت كآنية أو ما شبه منها السليم ومنها المكسور

 

منحوت آخر وحوله العديد من المنحوتات  المكسورة من الأواني والمغارف ... صورة بالفلاش

 

 من رأى هذا الصخر سيعجب لدقة نحته وصنعه وجمال زخرفته

 

لاحظ صقل الجزء المكسور بهذه الطريقة الفريدة

 

انتقلنا إلى جانب آخر في الظلام الدامس لنرى هذا الذي يشبه البرج ويأخذ الشكل الدائري

 

صورة للسياج الذي عبث به من قبل الذين يترددون على هذه المنطقة

 

وجدنا جمجمة إنسان ولا شك أنها حديثة لا تعود للآثار ... ولكن تساءلنا أيمكن أن تكون هذه المنطقة استخدمت كمقبرة في فترة من الزمن القريب أو ما سر هذه الجمجمة

وأنبه كل من يزور تلك المنطقة أن يحذ أشد الحذر من الأرض والسير عليها ... فقد يتعرض للانهيار في أية لحظة ... فقد كنا نتحسس الأرض قبل أن نطأها ونسير على أصابع أقدامنا ومع ذلك كنا نشعر باهتزاز الأرض من تحتنا ... لأنها في حقيقتها طمي ودفن على أسطح تلك المنازل في القرية.

 

ونحن نسير وفي أكثر من موضع وجدنا مثل هذا المدخل الذي يقودنا إلى الداخل نحو بيوت هجرها أصحابها قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة

ولا نعرف كم من الغرف في الداخل وكم من الممرات والآثار ... البعض منها قد وصله الإنسان ... والبعض الآخر دفنته الرياح والأمطار والرمال ... والبعض الآخر لم يرى النور بعد فهو مسقوف فوق سقفه الحجري بسقف التراب " سطح الأرض "

 

صورة غرفة تحت الأرض. سبق وأغلق هذا المدخل بصبة خراسانية وتم تدميرها من عابث أو مخرب

 

بئر تحت الأرض وسط تلك الغرف التي رفع عنها السطح ... فسبحان الله أي حياة عاشها أولائك القوم

       لا نعجب إذا علمنا أنها الفاو عاصمة مملكة كندة كانت محطة تجار الجزيرة القادمين من اليمن أو الشام .. فقد كانت تمثل المدينة التجارية والاقتصادية للمملكة الكندية  آن ذاك

       عندما وصلنا إلى أحد السراديب التي تقود إلى الداخل حصل لنا موقف أنها الجزء الأول من الرحلة ... فعندما شرعت في النزول عبر درج حجري يزيد طوله عن 3 أمتار ... دخلت إلى إحدى الغرف وأنا أحمل مصباح هولجين ساطع ... بدات أشم رائحة كريهة اعتقدت أنها رائحة الموت ... وبينما كان يتبعني الصديق خالد ... والأخ إبراهيم يقف بالخارج ينتظرنا ... فجأة لم أعد أرى على نور مصباحي سوى غيمة  سوداء تصدر صوت حفيف ووشوشة مرعب عظيم ... فزع صاحبه من دخولي ... مباشرة أدركت الأمر قبل أن يدب الخوف إلى قلبي وعلمت أنها آلاف الخفافيش فزعت من دخولنا ومن الضوء الحارق لأبصارها .... فما كان مني إلا أن انخفضت وأطفئت المصباح ... وعدت أدراجي أتلمس الأرض ... ولما أحس خالد بذلك هرع للخروج مباشرة ...

شاورت رفقائي أنعيد الكرة بطريقة أخرى مثل استخدام النار أو اللهب ... ولكن الجميع لم يوافقني الرأي فأخذت بمشورتهم  وأوقفنا رحلة استكشافنا تلك وعدنا أدراجنا

وعندها أدركت الخطأ الذي ارتكبته فلا ينبغي أن ندخل مكانا يسكنه الآخرون ليلاً دون إذنهم ...

وهنا انتهى الجزء الأول من قرية الفاو عاصمة مملكة كنده

صورة لمحدثكم عند دخوله إلى العمق المظلم متوكلاً على الله ومنهياً رحلته مع الخفافيش التي قالت له قف مكانك وعد في وقت آخر لتتم الجزء الثاني

إلى هنا أصل وإياكم إلى نهاية الجزء الأول ... وبإذن الله سنستكمل الجزء الثاني قريباً

تقبلوا تحيات أخوكم ومحبكم حمد العسكر